لا يمكن لفرنسا ان تدعي بأن خلافاتنا معها قد سويت، ويجب ان تعرف ان المغرب “ما حاشاهاش ليها على الفيزا”..

قامت وزيرة الخارجية الفرنسية، كاترين كولونا، بزيارة إلى المغرب، والتقت بنظيرها ببلدنا ناصر بوريطة وبعد مشاورات سريعة خرجت لتقول للصحافة أن مسألة الفيزا تم الحسم فيها وسيتم تسويتها بسرعة (طبعا على غرار الجزائر)، وقد هلل الإعلام الرسمي الفرنسي لما اعتبره إنجازا في هذا الاتجاه،في حين أن حقيقة خلافاتنا الاساسية مع فرنسا لا علاقة لها بقضية الفيزا، وانها ابعد من ذلك بكثير، وأن أي شئ لم يتم تسويته بهذا الخصوص،كي تدعي فرنسا او غيرها ان الدفء قد عاد لعلاقات بلدينا

ومما لاشك فيه أن المغرب كان واضحا منذ البداية في ما يخص قضية تقليص التأشيرات الممنوحة للمغاربة الراغبين في السفر الى فرنسا.وأنه اعتبر منذ لحظة اتخاذ القرار انه يرتبط بالسيادة الفرنسية لاغير، وأن المغرب لا يرغب في التدخل في قرارات تهم الشأن الفرنسي.وهو بذلك يكون قد طوى صفحة النقاش، وبالتالي فلا يمكن لفرنسا أن تفرضه على طاولة الحوار، وتلزم المغرب بالإنصات إليها،إلا إذا كانت فرنسا هي نفسها متضررة من ذلك،أي أنها صفعت وجهها بيديها، وتسعى الى تخفيف ألم الصفعة.

وانطلاقا من هذا المنظور فالمغرب يستغرب لهذه الشطحات الغريبة من دولة كانت حتى الأمس القريب حليفا تقليديا للمغرب، شطحات لا يمكن تفسيرها الا بضعف النضج السياسي،ومن هذه الشطحات ان لا أحد دفع فرنسا لاتخاذ قرار التقليص من التأشيرات الممنوحة للمغرب،وانه بعد اتخاذها لهذا القرار فلا أحد طالبها بإعادة الأمور الى ما كانت عليه من قبل والدليل على ذلك انه لم يسبق للدبلوماسية المغربية ان طرحته او طالبت بطرحه في النقاش السياسي الذي يدور بين البلدين،ولذلك تكون النتيجة هي أن فرنسا “عقدت العقدة بيدها وعليها ان تحلها بأسنانها” او تتركها للزمن دون حشر للمغرب في هذا الحل.

وبعيدا عن مثل هذه الشطحات،في الإعلام الفرنسي لا يتوقف عن تفريخ اتهامات اتهامات المغرب ولا يتوقف ايضا عن التدخل في شأنه الداخلي،أما المغرب فهو ماض في طريقه الذي اختاره لنفسه بقيادة ملكه،وهو طريق الكرامة والبحث عن حلفاء جدد يؤمنون بالمساواة والاعتدال في التعامل كالولايات المتحدة وألمانيا وإسرائيل والصين وغيرها، كما انه ماضي بلا رجعة او تراجع في مسألة فرض مبدأ الكرامة في كل المعاملات التي تربطه بأي دولة كانت، ورفض ازدواجية المواقف بخصوص قضاياه الاساسية ومنها قضية الصحراء.

وانطلاقا من هذه القرارات الاستراتيجية التي اتخذها المغرب فلا يمكن لفرنسا ان تدعي اليوم ان خلافاتها مع المغرب قد تمت تسويتها،وإلا فنحن نسألها جهرا عن موقفها من قضية الصحراء وخاصة مقترح الحكم الذاتي،هل يسمو هذا الموقف الى المرتبة التي رفعته إليها الولايات المتحدة الأمريكية حينما اعترفت جهرا بمغربية الصحراء،وبقوة قرار الحكم الذاتي وضرورة تطبيقه بشكل عاجل ؟.

ولكي نكون صرحاء مع فرنسا وهواجسها وطموحاتها،فمغرب اليوم لا علاقة له تماما بمغرب الأمس.لأن مغرب اليوم نوع من شركائه وحلفائه الاقتصاديين والسياسيين وجعلهم من كل صوب وحدب،ومغرب اليوم يركز على قيمة علاقات جنوب جنوب،وعلى ضرورة الهوض بإفريقيا. كما نقول للفرنسيين أن مغاربة اليوم يؤمنون بدورهم بقيمة تعدد اللغات والثقافات ومنها اللغة الانجليزية التي اصبح ابناؤنا يتقنونها إلى حد كبير، وينتظرون قرارا رسميا بجعلها اللغة الثانية بعد العربية.

إن الرئيس الفرنسي اعترف بنفسه في مناسبات كثيرة بأن اللغة الفرنسية فقدت إشعاعها في العديد من الدول الافريقية،واعترف ايضا ان التواجد الفرنسي يتراجع يوما بعد آخر في افريقيا،وهذه الاعترافات لوحدها تدل على أن فرنسا لم تعد هي الوجهة الرئيسية لأبنائنا،سواء بالنسبة للراغبين في الدراسة او الباحثين عن شركاء اقتصاديين، او الراغبين في السياحة، فالوجهات أصبحت كثيرة ومتعددة، والدول التي ترغب في التعامل مع المغاربة هي أكثر بكثير مما كان عليه الأمر في الأمس القريب.

واخيرا،فنحن نعرف جيدا ان فرنسا تدرك جيدا أن لا قيمة ولا تأثير لقراراتها بخصوص الفيزا، وان اسبانيا فتحت هذا الباب لمن يرغب فيه لأغراض سياحية او اقتصادية،وأن ألمانيا وكندا وانجلترا والولايات المتحدة أصبحت كلها وجها مفضلة لطلبتنا الراغبين في متابعة دراستهم،وأن تركيا والبرازيل والعديد من الدول الافريقية لا تفرض الفيزا للراغبين في السياحة ..ولكن وفوق هذا وذاك، فالمغرب يتوفر اليوم على اقوى الجامعات والمعاهد العليا للدراسة، كما أنه يشكل بدوره وجهة سياحية رائعة لأبنائه، فكيف والحالة هذه يكون لورقة التأشيرات دور مؤثر في الضغط او التفاوض مع بلد استبق الاحداث وتهيأ لهذا طيلة العشرين سنة الماضية؟

اترك رد